بثينة العيسى: الرواية والتأويل؛ ما الذي تحاول الرواية أن تقوله؟

الخرطوم:فيونشر٢١

تولدُ الرواياتُ من فرضيّات، من سؤال «ماذا لو»، مثل كل الاختراعات.

كأنَّها محاولةُ للعبثِ بعدّاد الإمكانيات، لسبرِ كل ما لم يحدث بعد، ومنحِه الحدوث، على مستوىً متخيَّل.

تخضع الرواية أيضًا لقوانين إدوارد مورفي لقياس إمكانية التباطؤ المفاجئ في السرعة، وهذه استعارة يمكن قراءتها على نحوٍ حَرفيّ أيضًا.

فالروايات هي محاولة لرصدِ «التباطؤ المفاجئ للسرعةِ» على نحوٍ ما.

الأمر الذي يخرجُ الحكاية من الإمكانية إلى الحتمية.

تكتب الروايات، غالبًا، بمنطق قانون مورفي الأشهر؛ «إذا أتيح لشيءٍ سيءٍ أن يحدث، فسوف يحدث».

2

يمكن القول بأن معظم الروايات تتناغمُ مع سائر «قوانين الحظ السيء» لمورفي.

فإذا «تركت الأمورَ تسيرُ من تلقاء نفسها، فهي ستسير من سيءٍ إلى أسوأ»، و«الأخطاء الخفية سوف تظهر في النهاية»، و «كل شيء سيسير بشكل خاطئ دفعة واحدة»، وأيضًا «سوف تتضرر الأشياء بما يتناسب مع أهميتها» و «كل الاكتشافات العظيمة تحدث عن طريق الخطأ»، والمفضلة عندي «كل حل سوف يأتي بمشاكل جديدة»، وغيرهِا مما يمكن اعتبارها إنجيلًا لفنّ القص.

3

فالرواية قائمة على فرضية أنَّ «أي شيء يمكن أن يحدث لأي شخص، في أي وقت» بتعبير سارا برايتمن.

لقد أسقطت بقية الاقتباس عامدة.

4

إذن، تولدُ الروايات من فرضيات، من سؤال «ماذا لو»، وبقدر ما ينتسبُ هذا السؤال إلى عالم الأمن والسلامة في قوانين الملاحة الجوية، فهو في صميمه سؤال التمدن الذي أفضى عبر التاريخ إلى كل إختراع إنساني، متحضر ومتوحش؛ منذ البذرة الأولى التي غرستها امرأة قبل 14 ألف سنة، مرورًا بالمنجل والمنجنيق والمذياعِ والمقصلة والسوشي والكمنجات، والغاز المسيل للدموع، ومنكّهات الطعام الكيميائية، وانتهاءً بتطبيق تيك توك.

كل شيءٍ صنعه الإنسان، خرجَ في الحقيقة من تساؤل؛ «ماذا لو»، يليه تساؤل «كيف يمكنُ أن».

5

تخرجُ الرواياتُ، إذن، من ذات التساؤل الذي قادَ الإنسان إلى التحضر والتمدن، بكل ما تحمله تلكما الكلمتين من حمولة ملتبِسة، قيميا وأخلاقيا، ولعلّ الأمر ليس مصادفة، أن الرواية كانت في الغالب ابنة الحاضِرة، وأنها نضجت في الدولة الحديثة، وأنها مهما حاولت، ستبقى تراوح – مثل سيزيف وصخرته – في تساؤلاتِ الهويّة وسطَ حواضِر تتباينُ في أشكالها، لكنها في المجمل حواضِر، وإنسانها في المجمِل متوتّر.

6

تأتي الروايات كمحاولة، واعية أو غير واعية، للإجابةِ على سؤال بلا إجابة نهائية.

فهي أداة ذهنية، وحسية أيضًا، لاختبار أفكارنا ومنظومتنا القِيمية.

ويمكن الذهاب أبعد والقولُ بأن الرواية هي إحدى أدوات التفلسُف.

لكن فيمَ تذهب الفلسفة إلى التجريد، تذهب الرواية إلى التجسيد؛ إلى تحويل الأفكار المجرّدة إلى واقعٍ محسوس؛ إلى شخصيات وسياقات.

7

في «الجريمة والعقاب»، يطاردُ دوستويفسكي سؤالًا فلسفيًا، ليختبر حدود وصلابة ما هو أخلاقي؛ ماذا لو قرّر إنسان محاربةَ الشَّر بارتكاب الشَّر؟ هل سيكون الشرُّ «الثاني» شرًّا في هذه الحالة؟

بمعنى آخر:

ماذا لو قرّرَ شخص محاربة الشَّر بقتلِ شخصٍ «شرير»؟

وعلى سبيل التخصيص، عندما تكتسي الفرضية الروائية بشيء من التفاصيل الحسية يمكننا أن نصيغَ تساؤلَنا على هذا النحو:

ماذا لو قرّر «راسكولنيكوف» أن يقتل عجوزًا مرابية يدينُ لها عشرات التعساء المعدمين بمبالغ لا يستطيعون سدادَها، وسيشكل موتها مصدر راحة لكثيرين، ويمكن بالمجمل اعتباره خبرًا سارًّا.

هل يعدُّ قتلها شرًّا؟

8

وبسبب طبيعة الفرضية الروائية، سيقوم القارئ بجولات وصولات في أسئلة تخصّه لم تطرحها الرواية صراحة؛ ماذا لو لم تكن عجوزًا، بل امرأة في الثلاثين من عمرِها؟ ماذا لو كانت أمًّا لطفلين؟ ماذا لو كانت عمياء؟ ماذا لو لم تكن مرابية، بل مجرد بخيلة نكدة، تشبهُ عجوز تشارلز ديكنز في «أنشودة الميلاد»؟ لماذا ينبغي أن يقتل، لماذا لا يستطيع «راسكولنيكوف» أن يتحوّل إلى شخصٍ يشبه «روبن هود» الذي يسرق الأغنياء ويعطي الفقراء، مثلًا؟

9

يمكننا الاستطراد في توليدِ الأسئلة إلى ما لا نهاية تقريبًا، وبالوقوف هنا، نحن نرى بوضوح بأن الرواية ستتحوَّل في نهاية المطاف إلى «مثير فلسفي»، آلة مولّدة للتأويلات، فالرواية «آلة خاملة» بتعبير أمبرتو إيكو، «تستعيد نشاطَها بفعل القارئ» الذي يدلفُ النَّص مسلَّحًا بالفضول، ويلعبُ مع الرواية لُعبة المعنى.

10

مثال آخر.

تبدأ رواية «انقطاعات الموت» للروائي البرتغالي جوزيه ساراماغو بأربع كلمات؛ «وفي اليوم التالي لم يمُت أحد»، حيثُ وترُ الفرضية الروائية مشدودٌ منذ البدء حتى أقصاهُ.

إن السؤال الذي يطرحهُ ساراماغو هنا هو؛ ما الذي سيحدثُ لآلة الدولة الحديثة بكل مؤسساتِها إذا لم يمت أحد؟ ما هو مصير الكنيسة؟ والقطاع الصّحي؟ وشركات التأمين؟ وماذا سيحدث للنَّسيج الاجتماعي؟ سنرى تلميحاته الماكِرة بهذا الشَّأن في ذلك المشهد الذي يُترك فيه العجائز على تخومِ المدينة مهجورين، فما من أسرّة تكفي في المستشفى، ويبدو أنه ما من أُسرة مستعدة للعنايةِ بمريضٍ لا يموت.

يلمِّح ساراماغو بحسٍ من السخرية الخفيّ، بأننا لا نريدُ الخلود، وأننا مدينون للموتِ بعملية حفظ التوازن، وأن آلة الدولة الحديثة بأذرعها الأخطبوطية تقتاتُ على الموت في جميع التفاصيل؛ أنَّ الدولة هيَ تاجرةُ الموت.

11

يمكن للقارئ الملمِّ بتجربة ساراماغو أن يرى بأنَّ التوصيف أعلاه ينطبق أيضًا على رواية «العمى»، القائمة على فرضية مفادها؛ ماذا لو عمينا جميعًا؟ ولأن ساراماغو يبدو كمن يتهكّم على البشرية من مكان أعلى، فنحنُ نرى مع مزيد من القراءة أن شيئًا لن يتغيّر، أننا كنا وحوشًا أنانية في المجمل، وما زلنا – بعد العمى – محض وحوش.

أنَّ العالم سينقسم في كل الأحوال بين سادة وعبيد، بين متنمّرين وضحايا، بين أغنياء وفقراء. أننا لم نصب بالعمى كما ظننا، بل نحن في الأصلِ عُميان؛ أي أنَّ التحضُّر كذبة.

12

مثال ثالث.

تطرحُ علينا رواية «أولاد حارتنا» لـ نجيب محفوظ تساؤلًا عجيبًا؛ ماذا لو أعدنا كتابة التاريخ المقدّس بقصةٍ أرضية؟ كيف ستبدو لنا شخصيات مثل إدريس وأدهم والجبلاوي؟ إلى أي حد سيتغير فهمنا لما أوردته الكتب السماويّة والإسرائيليات؟

في معالجة مقاربة، قامت جيوكندا بيللي بطرح تساؤل شبيه عن حكاية الرجل الأول والمرأة الأولى وقصة خروجهما من عَدن، في روايتها الفاتنة «اللا متناهي في راحةِ اليد»، محاولة للتوفيق بين سرديتين؛ سردية الخلق وسردية التطوُّر، وتبدأ هذه الرواية بكلمةٍ واحدة هي «وكان»، ردًّا على الأمر الإلهي «كُن»، وتخلقُ عملية تناصٍ وتوليد وتأويل لكل ما سكتت عنه المرويات التوراتية المثقلة بالقداسة.

13

باختصار، الروايات – الجيِّدة على الأقل – تحتاجُ في الغالبِ إلى فرضيات، تولدُ من فرضيات، إنها سعيٌ حثيث وعبثيٌ تقريبًا للإجابة على سؤال لا يحتمل إجابة واحدة.

إنها محاولة لاستجلابِ الفكرة الفلسفية من المجرد إلى المحسوس، ومن السماويّ إلى الأرضي، ومن المطلق إلى النسبيّ والسياقي.

في كل رواية جيدة، محاولة عبثية لقول ما لا يقال.

وفي كل رواية جيدة، دون كيخوته يحاربُ طواحين هواء.

14

إنَّ القدرة على التوغل في أحراش النص رهن قدرتنا على الإنصات لهذا الجَرْسِ الخافتِ لسؤال الرواية.

ماذا لو استيقظ موظّف من نومه ذات صباح، ثم وجد نفسه وقد تحوّل في سريره إلى حشرة عملاقة؟ (التحوّل/ كافكا).

بمعنى آخر؛ لماذا ننمسخ؟

أي حدٍ من الاغتراب علينا أن نكابِد بصفتنا أبناء الحاضرة؟

كيف أصبح الاختلاف بين «غريغوري سامسا» وبين «غريب» كامو اختلافًا في الدَّرجة لا النّوع؟

ماذا لو تخلخلَ منطق الأشياء حيث لا شيء هو؟ (ألِس في بلاد العجائب/ لويس كارول)،

ماذا لو كانت العودة إلى الماضي ممكنة؟ هل سيكون من الحكمة الذهاب في مقامرة من هذا النوع ومجابهة أشد الخسائر قسوة على القلب؟ (عائد إلى حيفا/ غسان كنفاني).

وهل هو حتمي على جميع الثورات أن تتسيدها الخنازير؟ (مزرعة الحيوان/ جورج أورويل).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.