المحبوب عبد السلام يرثي السيدة “حياة البرير”

ودّعت أم درمان باكية أمسية الأحد الثاني من رمضان الجاري، السيدة حياة محمد أحمد البرير، وأودعتها ثرى مقابر البكري، حيث سبقها سلفٌ صالحٌ أخذت عنهم الكثير، ثم أعطت فكأنها فرغت تماماً للعطاء، تعطي بسخاء مدهش ولا تكاد تأخذ شيئاً.
ثم هي كأنما لقيت شهر رمضان المبارك ليلةً واحدة، حيّاها وودعته، إذ كان الشهر الذى يزيد فيه سخاءها فيغدو ريحاً مرسلاً حيث أصاب.
تأتي بيتها بحي الملازمين من أم درمان في رمضان، فتجد أعداداً بالداخل وأرتالاً بالخارج من أهل الحاجات، أو هي في نهار غائظ وليلً بهيم، تزرع شوارع المدينة، تصل آخرين يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، لا تكاد تميز في عطاءها بين قريب وبعيد، متى علمت بعسرته وحاجته.
ولا يكاد يعرف أحد عن مشاويرها في العطاء، حتى أبناءها وبناتها، إلّا إذا سألوا الذي تعهّد بصحبتها فى السيارة، أو إذا تحسسّوا من كلامها وهي ترتب الحساب وتعد الجراب.
ولو أدركت السيدة حياة زمن تنظيم عمل الخير، لأضحت مؤسسة مثل مؤسسة الحريري في لبنان، وأشباهها في سائر العالم، ولكنها من نفسها غدت مؤسسة وحدها، كأنها رجالٌ كثير ونساء.
ولدت حياة البرير لوالدٍ ثري من أعمدة الاقتصاد السودانى، وحكيمٌ مشهور بالكلمة الفصل في أكثر القضايا الاجتماعية حساسيةً، فورثت عنه الحكمة والصمود، وكانت شديدة الاعتزاز به، وهي كُبرى بناته. نشأت وقد نثر بين قدميها الدُرّ النفيس، ولكنها كذلك شديدة الاعتزاز أنها لم تركن إلى حياة العز والترف، ولكنها اختارت من نفسها كذلك، أن تكون باذلةً بانيةً، قدّر الله لها أن ترتبط في رفقة العمر بأحد أعمدة القانون والقضاء، السيد مجذوب علي حسيب، وأن تقطع معه رحلةً أخرى شاقةً من البذل والعطاء.
تقول السيدة حياة البرير، أنها أنجبت تسعة من البنين والبنات، وكان ميلادهم في تسعة مدن من مدن السودان. ولو أرادت أن تجلس في مرابع الأهل وتغدو إلى المستشفيات الحديثة التي عمرت بها مدينتها الأم منذئذ، لفعلت. ولكنها لم ترض أن تفارق زوجها وتتركه وحده يجوب الحوافي والأطراف، يفتح المحاكم ويرسي القانون والنظام.
كانت تقول: أولئك رجال بنوا البلاد. لا تفهم البناء إلا وهو النظام والإدارة وحكم القانون، كما تذكر في اعتزاز، أنهم كثيراً ما راودوه ليترك القضاء ويدلف إلى السياسة وهو ابن عشيرة وسجادة له، دائرة مضمونة من وهج نار المجاذيب، ولكن عندما دعته نفسه إلى المجد، زجرها وثابر على مهنة البناء. يجوب الوديان وينزل الوهاد على ظهور البغال والحمير وهي معه.
لا تعوزه الحاجة إلى أن يصرف وقتاً في سؤال عن طعامٍ أو شراب أو لباس، فقد قد هيأت كل شيء لينصرف بتمامه للعمل، حتى أقلام الرصاص تتعهدها بالمبراة، وحتى الدفاتر والأوراق، فإذا عاد إلى منزل القاضي المقيم في المدينة، تبدّلت الحياة. رتبت السُفر والموائد ووضعت الأطباق وزُودت بالشوك والسكاكين والمناديل. فالسيدة حياة البرير من ذلك الجيل الذي أخذ جوهر التدبير والنظام من الوافدين المتحضرين، ومزجه بأفضل ما عندنا من أصالة، فكانت في بيتها وطعامها وزينتها، من ذلك النسيج الفريد.
لا تستشعر غربة أبداً في نسقها وترتيبها، ولا تلقى الفوضى الريفية المزعجة. بل تجد الوضاءة والجمال حيثما تلفت.
قد تجد أحدث الأثاث، ولكن سيكون هنالك عنقريب من خشب السنط أو السريرة، وقد تجد شراباً كثيراً، ولكن سيكون من بينه الآبري والحلو مُر، وقد تجد أطباق الأتراك والفرنسيين والإيطاليين، ولكن ستجد “كِسرة”، كأنها طُرّزت من وشاحٍ أبيض. وستجد الفول المدمس وبلح القنديلة.
سألت ابنها الصديق، مأمون، هل يعرف مولانا مجذوب علي حسيب أن يأكل بيديه؟
ضحك من سؤالى وذكّرنى: أليس هو ابن قرية؟
فكم يثير ذلك الجيل العجيب من الأسئلة، وقد تشرب تلك الثقافة على مهل ومزجها بأصالته، لا في الأزياء والأشكال وحسب، ولكن حتى في الثقافة والنظم والتشريع.
وكما قدمت السيدة حياة البرير وجيلها نماذج في البذل والعطاء، قدموا مثالاً في الأخلاق. فقد عاصرت زماناً ماج بالأحداث والمواقف والقصص والحكايات. وكنا كثيراً ما نسألها عن تفاصيله ونترجّاها في المزيد، ولكنها كانت سخيةً، إذا تعلّق الأمر بالمعرفة المفيدة، شحيحةً ماسكةً اذا تطرق الأمر لأعراض الناس وأسرارهم الخاصة.
قد تحكي لك بسخاء عن نبوغ ابن خالتها معاوية محمد نور، وترحاله وعودته وموته المبكّر المأساوي. ولكنها لا تتجاوب مع شغفك وأنت تسألها عن القضايا الكبيرة التي هزت مجتمع المدينة، ونظر فيها زوجها قاضياً وحاكماً أو محامياً فى الفصل الأخير من حياته. ولكنها تذكرك بالمرافعة التي سارت بها الركبان، والآن تُدرّس فى كليات القانون، ولا تحيلك إلى قصص المدينة وشائعاتها.
وإذا ألححت عليها بالقصص والأقوال، تختم بكلمتها التي كأنّما جمعت تمام الحكمة والاخلاق: “نعم قالوا، نبرى من قُولهم”. تعني أنها تبرأ إلى الله من الخوض في سير الناس حتى بالرواية والإسناد إلى غيرها.
كانت السيدة حياة البرير من أعمدة “العُقاب” كما نقول في السودان. القلة الذين استحفظوا على أفضل ما عندنا، ومهما تفرّع الناس وشتوا، بقوا مع هذا العُقاب لا يبرحونه بالهجرة والاغتراب، بل يتعهدونه بتمام الرعاية حتى إذا عاد العائدون وجدوه كما هو أو يزيد، بل إن صروف الحياة داخل الوطن ما تفتأ تتقلب وتتبدل وتهز الأوتاد بالزعازع، ولكنهم يظلون كما هم، لا يبدلون أخلاقهم ولا يهملون أشكالهم.
الحياة ينبغي أن تمضي بأفضل وجه، وأن تقاوم الآفات ما ظهر منها وما بطن، أو كما يقول الفرنسيون، مثل كريم الكرمل، دائماً هو هو، فى حلاوة وطلاوة.
قست الحياة على السيدة حياة البرير، ففقدت ابنها “علي”، وقد أكمل لتوّه رسالته في الدكتوراة بجامعة جورج تاون، وسقط مغشياً عليه في المكتبة ليفارق الحياة وهو يتأهب للعودة إلى السودان، فتلقته جثماناً مسجياً فى تابوت، ولكنها صبرت وثابرت ورددت كلمتها التي سبقت إليها في وفاة زوجها: “لقد نفذ أمر الله والدنيا تنتظر الرجال”.
تعنى بالرجولة، قيم الصبر الجميل والبلاء الحسن والاستئناف الكريم.
رحم الله السيدة حياة البرير، فقد تجلّت حكمتها وأخلاقها وأكملت واجبها فى الحياة على أفضل وجه، وتركت من بعدها ثلة من الأبناء والبنات، ربّتهم على الاستقامة والاستقلال، ولم تقهرهم على طريقةٍ أو مهنةٍ أو مذهب، فكان كل منهم نسيج وحده، فمن أي باب دخلت، وجدت متعةً ومعنى، وقد أرست على رأس قِيمها، أن يكون بيتها قبلةً للزائرين من الأهل والأصدقاء وذوي الحاجات.
ورغم مرضها وضعف بصرها، فقد ظلت حريصةً على مصحفها. يضعف بصرها فتكبر معه أحجام المصاحف، ولكنها لا تفارقه ولا تهجر تلاوته. تقول أنها تحفظ به نفسها وبيتها.
لا أحسب أنّي انتظمت في زيارة بيت، كما انتظمت في زيارة بيت السيدة حياة البرير. لا استشعر غربةً إذا وجدت أهله أو بعضهم، أو أحداً منهم، ولقد أحزنني ألا أشيّع جثمانها، ولا أقف على قبرها. فهرعت لأكتب مقالاً، ولكني أعزي نفسي، وقد كان كذلك مأتمها قبلة توافد عليه الجميع، حتى سدّت مداخل حي الملازمين، وقد كانت بارةً بالقريب والبعيد، فائضة في المجاملة بوقتها ومالها.
نيروبى – 6 أبريل 2022

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.