“أطلق القط في برج الحمام”.. البرهان ينقّح خريطة الطريق

تقرير – محمد عبد الكريم
باغت رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، المشهد السياسي السوداني برمّته، بخطاب عاد فيه إلى مخاطبة السودانيين من منبر المؤسّسة العسكرية بوصفها “حارسة لثورة ديسمبر”.
أعاد خطاب البرهان، رسم خريطة طريق لِما تبقّى من المرحلة الانتقالية، وهي على النحو الآتي:
أولاً، عدم مشاركة المؤسسة العسكرية في المفاوضات الجارية إفساحاً في المجال أمام القوى السياسية والثورية والمكوّنات الوطنية لتشكيل حكومة كفاءات وطنية مستقلة، إلى جانب التزام القوات المسلحة بتنفيذ مخرجات الحوار الوطني.
ثانياً، أن يتبع تكوين هذه الحكومة التي لم تُفسَّر حدود صلاحياتها بطبيعة الحال، حلُّ مجلس السيادة وتشكيل مجلس أعلى للقوات المسلحة يتكوّن من القوات المسلحة والدعم السريع، ويكون مسؤولاً عن مهام الأمن والدفاع “وما يتعلّق بها من مسؤوليات تستكمل مهامه بالاتفاق مع الحكومة التي يجري تشكيلها”.
كما دعا البرهان، في خطابه، الشعب إلى التمسّك بالسلمية.

ارتباك القوى المدنية
القوى المدنية أظهرت ارتباكاً في التعامل مع خطاب البرهان، فيما أعربت الأحزاب السياسية التقليدية الفاعلة حالياً، مثل حزب الأمة القومي والحزب الاتحادي عن ترحيبها بالخطاب، لكنها اختزلته بـ”خروج القوات المسلحة من الحكم”.
ويمكن ترجيح وجود احتمالَين خلف استجابة قوى الحرية والتغيير المضطربة:
أولاً:
توافقها على التريّث، وإعداد ردّ موحّد قد يتضمّن بنوداً محدّدة أيضاً بخصوص دورها في المرحلة الانتقالية.
ثانياً: التواصل مع الأطراف الخارجية الفاعلة، أي رعاة الآلية الثلاثية، وعدد من الدول الإقليمية، لاستكشاف سيناريوات التعامل مع المستجدّات التي فرضها حديث البرهان.

تداعيات إقليمية
على رغم أن الخطاب لم يُعِر سياسات البلاد الخارجية أيّ إشارة، إلا أنه جاء في سياق مساعي مجلس السيادة للتعامل مع الضغوط التي تواجه البلاد، وأبرزها تعليق عملية إعفاء السودان من ديونه، والتوتر الحدودي مع إثيوبيا، ومحاولات تهميش مكانة الخرطوم الإقليمية.
ومن المتوقّع أن يؤدي الخطاب، والعملية السياسية التي قد تليه، إلى وقف الإجراءات العقابية في ملفّ الديون أو تأجيلها على الأقلّ حتى تتوفّر ضمانات تكوين حكومة تنفيذية، وربّما تجميد دول نادي باريس قرارها تعليق عملية إعفاء السودان من ديونه.
كما يمثّل خطاب البرهان، في جزئيته المرتبطة برفض الإقصاء السياسي، تبايناً مع رؤية دول إقليمية، أبرزها الإمارات، لمشاركة التيار الإسلامي أو “فلول نظام عمر البشير” في أيّ عمليات سياسية، سواء في ما تبقّى من المرحلة الانتقالية أو ما بعدها.
وعلى رغم وجود تفسيرات بأن هذا التوجّه “تكتيكي”، غير أنه يبدو توجّهاً استراتيجياً، أخذاً في الاعتبار دعم هذا التيار كل سياسات المكوّن العسكري، وقدرته على الحشد والتعبئة، فضلاً عن كونه قيمة مضافة للقوى العصبية والقبلية الأخرى الداعمة لسياسات العسكر.
ويشير ذلك إلى استمرار قدرة البرهان على الإفلات من إملاءات خارجية مباشرة في الملفّ المشار إليه.

السيناريو المصري
وبينما ربط معارضون سودانيون خطاب البرهان بما اعتبروه السيناريو المصري أو المشورة المصرية، فإن الصلة بين “السيادي” والقاهرة تتجاوز هذا التحليل الرمزي، بالنظر إلى خطورة الملفات المشتركة التي تواجه البلدين، والتي تدفع بدورها القاهرة إلى فتح آفاق الحركة أمام المجلس، ودعم أيّ حلول تفضي إلى إرساء الاستقرار السياسي في السودان، وضمان تعزيز قدرته التفاوضية في مواجهة أزماته المتعدّدة.
وكذلك بعض الشروط العربية الاقتصادية لدعمه مقابل استنزافه سيادياً على غرار نموذج الضغط الإماراتي لاستئجار أراضي منطقة الفشقة السودانية بالتعاون مع مستثمرين إثيوبيين، وهو ما تعتبره القاهرة، وإن بشكل غير معلَن، تهديداً مباشراً لأمنها القومي.

سيناريوات “خريطة البرهان”
يبدو السودان أمام عدّة سيناريوات في الأشهر القليلة المقبلة، وأبرزها:
المضيّ قدماً وفق “خريطة البرهان” وإكمال القوى السياسية (بعد ضغوط دولية وإقليمية) مشاوراتها بشأن تكوين حكومة تسيير الأعمال برعاية الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وإيقاد. على أن يتبع ذلك، الإعداد لانتخابات عامة في البلاد؛ وهو احتمال لا يبدو مستبعداً، ولا سيما في ظلّ الرعاية الأميركية – السعودية – المصرية للحوار بين العسكر والحرية والتغيير.
أمّا الاحتمال الثاني، فهو تمسّك المعارضة بمواقفها المعلَنة الرافضة لأيّ دور للجيش في الحكم، أو في تنفيذ مخرجات الحوار الوطني.
ولكن إتيان هذا السيناريو بنتائج يتطلّب تماسكاً فائقاً بين مكوّنات المعارضة، وقدرة أكبر على حشد المواقف الشعبية بشكل دائم وليس لحظياً.
وفي حال تعمُّق الاستقطاب بين مجلس السيادة والمعارضة، وما سيستتبعه من تحشيد متبادل، فإن سيناريو الفوضى الشاملة سيكون مطروحاً أيضاً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.